Journal Al-BayanVolume 7

تحليل أسباب إهمال ورود الحديث و أهمية معرفته في فهم مقاصد التشريع

عمار بن عبدالله ناصح علوان

  

Permissions & Reprints
Abstract

This research was explained that there are five hypotheses, Due to the neglect of writing Al-Hadith at narrators and Al-Fuqaha'a, Compared with Interest in learning for reason the cause of down "Al-Ayat", with an indication of the importance of the reason writ "Al-Hadith" at Understanding of the purposes "Islamic provisions of the legislation". And this has been the search "Mudhab" some of the Sahaabah at the reasons must be write with "Al-Hadith" or Non-written if.

Full Article

 

التمهيد

وجد الاهتمام بأسباب النزول منذ بدايات تاريخ التشريع الإسلامي من الصحابة والتابعين بوجوب الاهتمام بأسباب النزول ليتضح فهم الآية على وجه الصحيح – كما سيأتي في الفرضية الثالثة - وبعد تلك الآثار جاء تنبيه المفسرون والأصوليون إلى أهمية معرفة المجتهد لأسباب نزول الآيات. فالسؤال في هذا البحث ما هي الأسباب التي جعلت معظم الأصوليين والمحدثين يغفلون عن تبيان أهمية اعتبار ورود الحديث وإدراجها في فهم النصوص النبوية ؟مع أن الحاجة لمعرفة أسباب ورود الحديث أشد من الحاجة لمعرفة أسباب النزول لأن كلام الله تعالى محصورة آياته وكلام الله تعالى هو لفظا ومعنى منقول إلينا بالتواتر بينما الحديث النبوي أغلبه آحاد يحتمل نقله بالمعنى للنص النبوي. فعلى سبيل التمثيل نجد إن إمام الحرمين الجويني[1] والآمدي[2] قد اشترطا إلمام المجتهد بأسباب نزول القرآن. ونجد-أيضا- في مصنفات علوم القرآن اشتراطهم على من يفسر القرآن الكريم الإلمام بأسباب نزول القرآن. جاء في "البرهان في علوم القرآن" التفسير علم يعرف به فهم كتاب الله المنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وبيان معانيه واستخراج أحكامه وحكمه واستمداد ذلك من علم اللغة والنحو والتصريف وعلم البيان وأصول الفقه والقراءات ويحتاج لمعرفة أسباب النزول والناسخ والمنسوخ[3] كما أشار إلى ذلك السيوطي[4] والزرقاني. [5]ولم يكتفوا بالتنظير بل أدرجوا عمليا أسباب النزول في كتب التفسير ليجدها المجتهد نصب عينيه فيعتبرها عند استنباط الآيات.

بينما نجد قلة من الأصوليين من أشار إلى أهمية اعتبار أسباب ورود الحديث منهم ابن العربي من خلال مسألة إذا ورد خطاب على سبب وليس في شروط الاجتهاد قال "اختلف الناس فيه فمنهم من قال يقصره عليه ولا يتعجى به غيره وقال بعضهم يحمل اللفظ على عمومه من غير اعتبار بالسبب وقال علماؤنا الذي يقتضيه مذهب مالك أن الألفاظ الواردة على الأسباب على ضربين الأول أن يكون اللفظ مستقلا بنفسه لا يحتاج إلى معرفة المراد منه إلى سببه الثاني لا يعرف المراد منه إلا بعد معرفة سببه فأما الأول فيحمل على عمومه وأما الثاني فيقصر على سببه. ومثال ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن بئر بضاعة فقيل له يا رسول الله إن بئر بضاعة تلقى فيها الحيض والجيف وما ينجي الناس فقال النبي صلى الله عليه وسلم خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شيء وفي رواية إلا ما غير لونه أو طعمه.[6] فهذا لفظ مستقل بنفسه مفهوم من ذاته نشأ بسبب لا يفتقر في بيانه إليه فهذا محمول على عمومه ومثال الثاني ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن بيع الرطب بالتمر فقال أينقص الرطب إذا يبس قالوا نعم قال فلا إذا فهذا الجواب لا يفهم المراد به من لفظه حتى يعرض على سببه ويناط به".[7]

كما أشار الإمام السبكي[8] إلى أهمية اعتبار أسباب الحديث-حسب تسمية السبكي- كما تعتبر أسباب النزول. أضف لذلك أن كتب الصحاح والسنن لم تولي اهتماما عمليا بأسباب ورود الحديث ولا حتى كتب شروح الحديث. فما أسباب ذلك؟. أرجعت أسباب ما ذكر إلى خمسة فرضيات:

الفرضية الأولى:

صعوبة إحصاء أسباب ورود الحديث النبوي بخلاف القرآن الكريم فإنه آياته محصورة ومتواترة لجميع الأمة.

الفرضية الثانية:

عدم تنبيه الرعيل الأول وهم من أنزل عليهم التنزيل إلى أهمية اعتبار أسباب ورود الحديث في فهم الحديث كما عملوا في أسباب نزول القرآن -كما سيتبين في اختبار الفرضية-

الفرضية الثالثة:

هذه الفرضية لها تعلق بأسباب النزول وأسباب ورود الحديث وإن كان تعلقها في جانب أسباب ورود الحديث أكثر لصعوبة معرفة ورود الحديث عن معرفة أسباب النزول. هذه الفرضية بنيت على مسلك من يرى أنه لا فائدة استنباطية من معرفتي أسباب النزول وورود الحديث لأن أسباب النزول وورود الحديث جريا مجرى التاريخ.

الفرضية الرابعة:

إن أصحاب الجوامع والمصنفات الحديثية -رحمهم الله وأجزل لهم عن أمة محمد خير الجزاء- كان همهم منصب على نقل اللفظ النبوي الشريف دون الاهتمام بأسباب ورود الحديث التي قد تأتي عرضا من رواة الحديث الذين شاهدوا الوقائع وحدثوا عما سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم ولا ضير في ذلك لأن مهمتهم الأولى هي التحري والتثبت في نقل النص النبوي الشريف. فبضاعة المحدثين هي تحمل أداء النصوص النبوية كما سمعوها من غير زيادة أو نقصان مستشهدا بقوله صلى الله عليه وسلم "نضر الله.." فالنص ربط تحمل للفظ. أما ما يتعلق بنقل أسباب ورود الحديث فقد يراه الراوي أنه من نافلة القول.

الفرضية الخامسة:

إن ظهور المصنفات التي اهتمت بأسباب ورود الحديث كانت متأخرة وكان معظمها مفقود غير متداول بين فقهاء الأمة منها مصنف أبي حفص العكبري المتوفى سنة 399 هجرية ومن المصنفات المفقودة في أسباب ورود الحديث مصنف لعبد الرحمن بن نجم بن عبدالرحمن بن نجم الأنصاري الخزرجي السعدي ناصح الدين أبي فرج بن أبي العلاء المعروف بابن الحنبلي المتوفى 634 هجرية. فهذا يعني أن التفات معظم الفقهاء إلى أسباب ورود الحديث كان متأخرا في أفضل عصور تدوين الفقه.[9] ولا يهم كثيرا تدوين أسباب ورود الحديث إذ لم يكن في التطبيق الفقهي منه فائدة أعني إذا لم تدرج أسباب ورود الحديث فى متون الحديث أو في كتب شروح الحديث التي يستنبط منها الفقيه حيثيات الأحكام الفقهية. مما يتطلب إخراج موسوعة حديث تجمع بين النص النبوي وأسباب وروده.

 

اختبار الفرضيات الخمس .

الفرضية الأولى:

وهي صعوبة إحصاء أسباب ورود الحديث النبوي بخلاف القرآن الكريم. فإنه آياته محصورة ومتواترة لجميع الأمة. فهذا يقرره قول الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود-رضى الله عنه- فعن مسلم عن مسروق قال: قال عبدالله: "والذي لاإله غيره ما نزلت آية في كتاب الله إلا وأنا أعلم فيم نزلت وأين أنزلت ولو أعلم مكان أحد أعلم بكتاب الله مني تناله المطايا لأتيته".[10] فهذا دليل على إحاطة بعض الصحابة بجميع أسباب النزول بخلاف ورود الحديث فيصعب أن يعلم الصحابي جميع أسباب ورود الحديث لأنه يصعب تواجد الصحابي مع الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع أوقاته وجميع أحواله. لذلك لم يرد عن أي صحابي علمه بأسباب ورود الحديث.

الفرضية الثانية:

وهي عدم تنبيه الرعيل الأول وهم من أنزل عليهم التنزيل إلى أهمية اعتبار أسباب ورود الحديث في فهم الحديث. كما عملوا في أسباب نزول القرآن.

 

أسباب ورود الحديث عند الصحابة:

لم أجد الباحثين في أسباب ورود الحديث[11] تعرضوا إلى أهمية بيان أسباب ورود الحديث حين الراوية عن النبي صلى الله عليه وسلم لدى الصحابة.سوف انقل نصا من الموطأ لنرى موقف الصحابة من أسباب ورود الحديث مع النص النبوي. ".قوله: إن الميت يعذب ببكاء الحي اختلفوا فيه على أقوال: فمنهم من حمله على ظاهره وإليه مال ابن عمر كما رواه عبد الرزاق أنه شهد جنازة رافع بن خديج فقال لأهله: إن رافعا شيخ كبير لا طاقة له بالعذاب وإن الميت يعذب ببكاء أهله عليه وهو ظاهر صنيع عمر حيث منع صهيبا لما قال وا أخاه عند إصابته وقال: أما علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الميت ليعذب ببكاء الحي. ومنهم من أنكره مطلقا كما روى أبو يعلى عن أبي هريرة والله لأن انطلق رجل مجاهد في سبيل الله فاستشهد فعمدت امرأته سفها وجهلا فبكت عليه أيعذب هذا الشهيد بذنب هذه السفيهة؟ وقالت: طائفة: إن الباء للحال أي إن مبدأ عذاب الميت يقع عند بكاء أهله لا بسببه ولا يخفى ما فيه من التكلف. وقال جمع: إن الحديث ورد في معهود معين كما تدل عليه رواية عمرة عن عائشة وقال جمع: إنه مختص بالكافر لرواية ابن عباس عن عائشة عند البخاري وغيره: والله ما حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه ولكن قال: إن الله ليزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه".[12]

يتبين لنا من النص السابق إن فقيهة الإسلام أم المؤمنين عائشة بنت الصديق رأت إن سبب ورود الحديث في يهودية مخصص وليس عام ليعم كل ميت بينما رأى عبدالله بن عمر وأبيه -رضى الله عنهما- قول النبي أن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه عام لكل ميت فيدخل فيه الميت المسلم بينما رأى حبر الأمة عبدالله بن عباس-رضى الله عنهما- رأى أم المؤمنين عائشة لأن البكاء والضحك ليسا تحت قدرة العبد. فالسيدة عائشة توجب على راوي الحديث ألا يقتصر الراوي على النص النبوي بل يتبعه بسبب وروده لأن اقتصار الراوي على القول النبوي دون إيراده لسبب الورود يوقع في الإشكال وسوء ثم راوية النص النبوي بالمعنى يخرج النص النبوي عن مدلوله فرأت -رضى الله عنها- أن عبدالله بن عمر لم يكذب على النبي صلى الله عليه وسلم ولكن طريقة أدائه لحديث النبوي كانت خاطئة فعبر بلفظ العموم للحادثة ولم يعتبر سبب ورود الحديث، ويؤكد هذا المعنى بوضوح أكثر ما جاء في الموطأ عن عمرة بنت عبد الرحمن أنها أخبرته أنها سمعت عائشة أم المؤمنين تقول وذكر لها أن عبد الله بن عمر يقول :إن الميت ليعذب ببكاء الحي فقالت عائشة يغفر الله لأبي عبد الرحمن أما إنه لم يكذب ولكنه نسي أو أخطأ إنما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بيهودية يبكي عليها أهلها فقال إنكم لتبكون عليها وإنها لتعذب في قبر"[13]

ومسلك أم المؤمنين عائشة في وجوب ذكر سبب ورود لم يقتصر على حديث "إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه" فحسب بل هو مسلك رأته في أحاديث أخرى مثله حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: ولد الزنا شر الثلاثة"

فأنكرت أم المؤمنين عائشة رواية أبي هريرة دون ذكر سبب ورود حديث فعن الزهري عن عروة بن الزبير قال: بلغ عائشة رضي الله عنها أن أبا هريرة يقول: إن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: لأن أمتع بسوط في سبيل الله أحب إلي من أن أعتق ولد الزنا و أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: ولد الزنا شر الثلاثة و أن الميت يعذب ببكاء الحي فقالت عائشة: رحم الله أبا هريرة أساء سمعا فأساء إصابة أما قوله: لأن أمتع بسوط في سبيل الله أحب إلي من أن أعتق ولد الزنا أنها لما نزلت "فلا اقتحم العقبة و ما أدراك ما العقبة" قيل: يا رسول الله ما عندنا ما نعتق إلا أن أحدنا له جارية سوداء تخدمه و تسعى عليه فلو أمرناهن فزنين فجئن بالأولاد فأعتقناهم فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: لأن أمتع بسوط في سبيل الله أحب إلي من أن آمر بالزنا ثم اعتق الولد و أما قوله: ولد الزنا شر الثلاثة فلم يكن الحديث على هذا إنما كان رجل من المنافقين يؤذي رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال: من يعذرني من فلان قيل: يا رسول الله مع ما به ولد زنا فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: هو شر الثلاثة و الله عز و جل يقول: "و لا تزر وازرة وزر أخرى" و أما قوله: إن الميت ليعذب ببكاء الحي فلم يكن الحديث على هذا و لكن رسول الله صلى الله عليه و سلم مر بدار رجل من اليهود قد مات و أهله يبكون عليه فقال: إنهم يبكون عليه و أنه ليعذب و الله عز و جل يقول"لا يكلف الله نفسا إلا وسعها" حديث صحيح على شرط مسلم و لم يخرج.[14]

فهذا النص الثاني يؤكد لنا مرة أخرى فقه أم المؤمنين عائشة في أهمية ذكر سبب ورود الحديث مع النص النبوي وإن إيراد النص دون إيراد سبب ورود الحديث يوقع في فهم تعميم النص. ويؤكد ما أشرت إليه ما ذكره الزركشي الإمام الجامع بين علم الأصول وعلوم القرآن والحديث في كتابه النكت على ابن الصلاح". معرفة أسباب الحديث قيل وقد صنف ابن الجوزي فيه تصنيفا ولم يكمله كنظير أسباب نزول القرآن الكريم وهو من أهم أنواع علم الحديث إنما زل كثير من الرواة ووهموا لما لم يقفوا على ذلك وقد ردت عائشة -رضي الله تعالى عنها- على الأكابر من الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- بسبب إغفالهم سبب الحديث فإن قيل أي فائدة لهذا النوع من أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؟ قيل فائدته عدم تخصيص محل السبب أو فهم المعنى من السياق كما في حديث "ولد الزنا شر الثلاثة" أو غير ذلك"[15]

فالإمام الموسوعي الزركشي الذي جمع بين علم أصول الفقه وعلوم القرآن والحديث يرى إن العلم بأسباب ورود الحديث من أهم علوم الحديث وإن السيدة عائشة أم المؤمنين كانت ترد الأحاديث على أكابر الصحابة بسبب إغفالهم لسبب ورود الحديث. ثم رد دعوى من لم يرى فائدة بذكر سبب ورود الحديث لأن القاعدة تقول "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب" مما يتطلب تعديلا في القاعدة وهو ما قد عملته في هذا البحث في الفرضية الثالثة فنلخص مما سبق إن الصحابة -رضوان الله عليهم- قد وقفوا من مسألة وجوب إلحاق سبب الورود الحديث مع النص النبوي على اتجاهين: اتجاه أم المؤمنين عائشة ويتبعها ابن عباس وجوب إيراد سبب ورود الحديث إذا كان عدم إيراده يورد في إشكالية فهم النص النبوي فهما صحيحا.

الاتجاه الثاني: اتجاه عمر بن الخطاب وابنه عبد الله -رضي الله عنهما- عدم أهمية لذكر سبب ورود الحديث مع النص النبوي لأن الأصل هو العموم في اللفظ النبوي وكأنه يشير أن علم أسباب ورود الحديث لم يكتمل تصنيفه فهذا في عصره ولكنه في العصور المتأخرة قد أكتمل أكثره.

يرد على مسلك هؤلاء الإمام السيوطي فقال "زعم زاعم أنه لا طائل تحت هذا الفن لجريانه مجرى التاريخ وأخطأ في ذلك بل له فوائد منها معرفة وجه الحكمة الباعثة على تشريع الحكم ومنها تخصيص الحكم به عند من يرى أن العبرة بخصوص السبب ومنها أن اللفظ قد يكون عاما ويقوم الدليل على تخصصه فإذا عرف السبب قصر التخصيص على ما عدا صورته فإن دخول صورة السبب قطعي وإخراجها بالاجتهاد ممنوع كما حكى الإجماع عليه القاضي أبو بكر في التقريب ولا التفات إلى من شذ فجوز ذلك ومنها الوقوف على المعنى وإزالة الإشكال قال الواحدي لا يمكن تفسير الآية دون الوقوف على قصتها وبيان نزوله". [16]

و قد يكون من أسباب صرف الاهتمام عن أسباب النزول -بعامة- وورود الحديث -بخاصة- القاعدة المشتهرة أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. فهذه القاعدة قد اشتهرت كثيرا بين طلبة العلم -ربما- قد يظن بعض طلبة إن هذه القاعدة بمثابة إجماع من العلماء و ليس هناك خلاف حول التسليم بها جاء في كتاب القواعد والفوائد الأصولية:

"إذا ورد دليل بلفظ عام مستقبل ولكن على سبب خاص فهل العبرة بعموم اللفظ أم بخصوص السبب فى ذلك مذهبان:

أحدهما العبرة بعموم اللفظ وهو قول أحمد وأصحابه والحنفية ونص عليه الشافعى فى الأم فى باب ما يقع به الطلاق وهو بعد باب طلاق المريض واختاره الإمام فخر الدين والآمدى وأتباعهما.

والمذهب الثاني: العبرة بخصوص السبب وذكره أبو العباس رواية عن أحمد أخذا مما ذكره الخلال فى عمدته واختاره المزنى والقفال والدقاق وقاله أبو الفرج وابن نصر وغيرهما من المالكية وحكاه أبو الطيب وابن برهان عن مالكالجوينى وهو الذى صح عندنا من مذهب الشافعى." [17]

 

فمما سبق ندرك أن هناك اتجاهان رئيسيان في اعتبار السبب وعدمه:

الاتجاه الأول يرى أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

الاتجاه الثاني: العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ.

فهذان الاتجاهان المتضادين لا بد لهما من قاعدة تجمع مآل القولين معا فيضعها المجتهد نصب عينيه في أسباب النزول وأسباب ورود الحديث. وبالله أستمد منه العون فأضع قاعدة جامعة مانعة في أسباب النزول والورود. لأن عدم وضع قاعدة جامعة مانعة تجمع بين مذهبين رئيسين في اعتبار السبب يؤدي إلى إهمال الاتجاه الثاني الذي يعتبر خصوص السبب ولا يقل أهمية عن الاتجاه الأول.

نص القاعدة: الأصل في النص هو عموم اللفظ لا خصوص السبب أو الورود إلا إذا كانا يخصصان المعنى أو الفعل.

فقد يستدرك علي مستدرك فيقول كيف خصصت القاعدة ؟ أقول أن هذه القاعدة ليست على عمومها بمعنى أنه ليس كل نص الأصل فيه هو العموم ويؤيد ذلك  ما ورد عن ابن عباس في تفسيرقوله تعالى "لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم". فقد استشكل مروان بن الحكم أن الآية عامة لكل من يحمد بمالم يفعل. فقد روى حميد بن عبد الرحمن بن عوف أخبره أن مروان قال: اذهب يا رافع لبوابه إلى ابن عباس فقل: لئن كان كل امرىء منا فرح بما أتى وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبا لنعذبن أجمعون فقال ابن عباس: وما لكم وهذه إنما نزلت هذه في أهل الكتاب ثم تلا ابن عباس {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون * لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا} الاية وقال ابن عباس: سألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره فخرجوا قد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه واستحمدوا بذلك إليه وفرحوا بما أتوا من كتمانهم ما سألهم عنه بل حتى القرطبي في تفسيره رأى أن عموم لفظ الآية يخصص. وعقب الزركشي بقوله "لا يخفى عن ابن عباس رضى الله عنه أن اللفظ أعم من السبب لكنه بين أن المراد باللفظ خاص ونظيره تفسير النبى صلى الله عليه وسلم الظلم بالشرك فيما سبق"[18] ثم يزيد توضيحا لذلك النوع من أسباب النزول فقال " ومن ذلك قوله تعالى ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا الآية فحكى عن عثمان بن مظعون وعمرو بن معد يكرب أنهما كانا يقولان الخمر مباحة ويحتجان بهذه الآية وخفى عليها سبب نزولها فإنه يمنع من ذلك وهو ما قاله الحسن وغيره لما نزل تحريم الخمر قالوا كيف بإخواننا الذين ماتوا وهى فى بطونهم وقد أخبر الله أنها رجس فأنزل الله تعالى ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح".[19]

فنلخص مما سبق إن قاعدة العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص ليس على إطلاقها في جميع النصوص الشرعية بل لابد من قيد لها لكي تطرد هذه القاعدة وهو"الأصل في النصوص هو عموم اللفظ لا خصوص السبب أو الورود إلا إذا كانا يخصصان المعنى أو الفعل".

 

أهمية معرفة ورود الحديث من أجل الفهم الكلي لمقاصد تشريع السنة النبوية:

ورد في صحيح البخاري "أن النبي صلى الله عليه وسلم أغار على بني المصطلق وهم غارون وأنعامهم تسقى على الماء فقتل مقاتلتهم وسبى ذراريهم وأصاب يومئذ جويرية".[20]

فالحديث السابق لو أخذ فيه فعل النبي صلى الله على إطلاقه دون اعتبار لسبب ورود الحديث  لعارض كثيرا من الأحاديث النبوية التي وصفت فعل النبي قبل القتال.

روى بريدة عن أبيه: عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا بعث سرية أو جيشاً أوصى صاحبها بتقوى الله في خاصة نفسه، وأوصاه بمن معه من المسليمن خيراً ثم قال: اغزو باسم الله، قاتلوا من كفر بالله، لا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليداً، فإذا لقيتم عدوكم من المشركين فادعوهم إلى الإسلام، فإن أسلموا فاقبلوا منهم وكفوا عنهم ثم ادعوهم إلى التحول من دارهم إلى دار المسلمين.."[21]. وقال ابن عباس رضي الله عنهما:"إن النبي صلى الله عليه وسلم ما قاتل قوماً حتى دعاهم إلى الإسلام"[22].فلفظا كان وما يفيدان العموم و الاستمرارية في الدعوة إلى الإسلام قبل القتال، وحتى لو لم ترد هذه الأحاديث فإن أقوى دليل هو عمل النبي صلى الله عليه وسلم في غزواته وعمل الصحابة من بعده. جاء في المغني"أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر علياً حين أعطاه الراية يوم خيبر، وبعثه إلى قتالهم أن يدعوهم، وهم ممن بلغتهم الدعوة. ودعا خالد بن الوليد طليحة الأســدي حين تنبأ فلم يرجع فأظهره الله عليه، ودعا سلمان أهل فارس".[23]

بعد ذلك تتبعت الراويات لأعرف سبب ورود الحديث. فوجدت سبب ورود الحديث أن بني المصطلق كانوا يجعمون له الجموع ليغيروا عليه في المدينة.جاء في سنن البيهقي عن عبد الله بن أبي بكر: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه أن بني المصطلق يجمعون له وقائدهم الحارث بن أبي ضرار أبو جويرية زوج النبي صلى الله عليه وسلم فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل بالمريسيع ماء من مياه بني المصطلق فأعدوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتزاحف الناس فاقتتلوا فهزم الله بني المصطلق وقتل من قتل منهم ونفل رسول الله صلى الله عليه وسلم أبناءهم وأموالهم ونساءهم وأقام عليه من ناحية قديد إلى الساحل".[24]

مما يعني أن الحديث يستدل به إذا اقترن معه سبب ورود الحديث في جهاد الدفع لا في جهاد الطلب الذي غاية منه نشر الإسلام وتبليغه فلا تجوز فيه المباغتة بخلاف جهاد الدفع الذي الغاية منه رد الأعداء عن بلاد الإسلام.

 

الفرضية الرابعة:

إن رواة الحديث من الصحابة والتابعين وأصحاب الجوامع والمصنفات الحديثية -رحمهم الله ورضي الله عنهم- كان همهم مصب على نقل اللفظ النبوي الشريف دون الاهتمام بأسباب ورود الحديث التي قد تأتي عرضا من رواة الحديث الذين شاهدوا الوقائع وحدثوا عما سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم ولا ضير في ذلك لأن مهمتهم الأولى هي التحري والتثبت في نقل النص النبوي الشريف. فبضاعة المحدثين هي تحمل أداء النصوص النبوية كما سمعوها من غير زيادة أو نقصان مستشهدين بحديث زيد بن ثابت قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "نضر الله امرأ سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ورب حامل فقه ليس بفقيه". قال الألباني صحيح.[25]

أما ما يتعلق بنقل أسباب ورود الحديث فقد يراه الراوي أنه من نافلة الراوية. ويؤكد هذا الافتراض الحديث النبوي المتواتر "من كذب علي معتمدا فليبتوأ مقعده من النار" الحديث قد رواه العشرة المبشرين بالجنة والعبادلة الخمسة وعمار بن ياسر وأسامة بن زيد وأبو هريرة وأبو موسى الأشعري والكثير من الصحابة على ما يربو عن سبعين صحابيا[26] فهؤلاء أغلبهم لم يلتفوا إلى سبب ورود الحديث في رواياتهم لأنهم عندهم من نافلة الراوية. وسبب وروده الحديث  وجدته عند الطبراني "عن عبد الله بن الحارث قال أتدرون فيما كان حديث من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من الناركان رجل أعجبته امرأة من أهل قباء فطلبها فلم يقدر عليها فأتى السوق واشترى حلة مثل حلة رسول الله ثم أتى القوم فقال إني رسول رسول الله إليكم وهذه حلته قد كسانيها وقد أمرني أن أصنع في ابنتكم ما شئت أصنعه فقال بعضهم والله لقد عهدنا رسول الله وهو ينهى عن الفواحش فما هذا قم يا فلان ويا فلان فانطلقا فاسألا فأخبراه عن ما خبر به هذا فانطلقا فاخبراه فغضب حتى احمر وجهه وقال عليه السلام من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النارثم قال يا فلان ويا فلان انطلقا سريعا فإن أدركتماه فاقتلاه واحرقاه ولا أراكما إلا ستكفياه فإن كفيتماه فاحرقاه بالنار ففر كأنه فذهب يأخذ ماء فخرجت أفعى فقتلته".[27]

 

 الفرضية الخامسة:

أن ظهور المصنفات التي اهتمت بأسباب ورود الحديث كانت متأخرة وكان معظمها مفقود غير متداول بين فقهاء الأمة  منها مصنف أبي حفص العكبري المتوفى سنة 399هجرية ومن المصنفات المفقودة في أسباب ورود الحديث مصنف لعبد الرحمن بن نجم بن عبدالرحمن بن نجم الأنصاري الخزرجي السعدي[28] ناصح الدين أبي فرج بن أبي العلاء المعروف بابن الحنبلي المتوفى 634 هجرية. فهذا يعني أن التفات معظم الفقهاء إلى أسباب ورود الحديث كان متأخرا في أفضل عصور تدوين الفقه. ولا يهم كثيرا تدوين أسباب ورود الحديث إذ لم يكن في التطبيق الفقهي منه فائدة أعني إذا لم تدرج أسباب ورود الحديث فى متون الحديث أو في كتب شروح الحديث التي يستنبط منها الفقيه حيثيات الأحكام الفقهية.كما درجت أسباب النزول في كتب التفسير مما يتطلب إخراج موسوعة حديث تجمع بين النص النبوي وأسباب وروده.

ما سبق طرحه من فرضيات أجد التقارب فيما بينها في مصداقيتها في واقع علوم الحديث. وإن كنت أرى أن الفرضية الخامسة أكثر سببية عن باقي الفرضيات.

 

أهم نتائج البحث:

1.    إن مذهب أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- هو وجوب ذكر سبب ورود الحديث حين رواية النص النبوي إذا كان ذكر سبب ورود الحديث له تعلق بمعنى الحديث.

2.    أهمية تقييد قاعدة "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب" بقاعدة أخرى أنشأتها وهي "الأصل في النص هو العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب إلا إذ كان أسباب النزول أو ورود الحديث يخصصان النص أو الفعل".

3.    إن السبب الأكثر تأثيرا في إهمال لأسباب ورود الحديث حين الإستنباط هو عدم ذكر أسباب الورود مع متون الحديث وشروحه.

 

 



*الأستاذ المساعد في جامعة ملايا- ماليزيا.

[1] ينظر الجويني أبو المعالي عبدالملك بن يوسف (1418هـ) البرهان في أصول الفقه، تحقيق د. عبدالعظيم ال، المنصورة دار الوفاء ط4 746:2

[2] ينظر لآمدي أبو الحسن علي بن محمد (1410هـ)، الإحكام في أصول الأحكام، تحقيق د.سيد الجميلي،بيروت ،دار الكتاب  ط1 170:4 

[3] الزركشي أبو عبدالله بهادر بن محمد (1391هـ) البرهان في علوم القرآن، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم بيروت دار المعرفة 13:1

[4] ينظر السيوطي أبو الفضل عبدالرحمن بن أبي بكر (1426هـ) الإتقان في علوم القرآن تحقيق، مركز الدراسات القرآنية، المدينة المنورة 21:1 

[5] ينظر الزرقاني (1415-1995) مناهل العرفان في علوم القرآن، تحقيق فواز زمرلي بيروت دار الكتاب العربي ط1 .91:1

[6] البيهقي، أبو بكر أحمد بن حسين (1414-1993) السنن الكبرى، مكة المكرمة، مكتبة دار الباز.257:1

[7] ابن العربي، أبو بكر المعافري المالكي (1420-1999) أصول في أصول الفقه، تحقيق حسين علي البدري، الأردن دار البيارق ط 1 1:79

[8] ينظر البيضاوي (1404) لإبهاج في شرح المنهاج، تحقيق جماعة من العلماء ط 1 188:2

[9] ينظر الأسعد طارق (2001) علم أسباب ورود الحديث وتطبيقاته عند المحدثين والأصوليين، بيروت دار ابن حزم ط1

[10] الطبري جامع البيان عن تأويل آي القرآن 60:1

[11] ينظر زين العابدين محمد عصري (2006) أسباب ورود الحديث ضوابط ومعايير، بيروت دار الكتب العلمية و الأسعد طارق علم أسباب الحديث

[12] ينظر الأصبحي مالك بن أنس أبوعبدالله (1413-1991) الموطأ براوية محمد بن الحسن، تحقيق تقي الدين الندوي دمشق دار القلم ط 112:21

[13] ينظر الأصبحي مالك بن أنس أبو عبدالله الموطأ براوية يحيى الليثي، تحقيق محمد فؤاد عبدالبقي 234:1

[14] الحاكم النيسابوري أبو عبدالله المستدرك على الصحيحين، تحقيق مصطفى عطا، دارالكتب العلمية مع الكتاب تعليقات الذهبي 234:2

[15] ينظر العسقلاني النكت على ابن الصلاح 71:1

[16]السيوطي الإتقان في علوم القرآن 87:1

[17] البعلي الحنباي (1375-1956) القواعد والفوائد الأصولية، تحقيق محمد حامد الفقي، القاهرة مطبعة السنة النبوية بتصرف 240-242

[18] الزركشي البرهان في علوم القرآن 27:1

[19] نفس المرجع السابق 28:1

[20] ينظر البخاري الجعفي أبو عبدالله (1407-1987) الصحيح المختصر، تحقيق مصطفى ديب البغا، بيروت دار ابن كثير-اليمامة ط3 898:2

[21] أبو يعلى الموصلي التميمي أحمد بن علي (1404/1984) مسند أبي يعلى، تحقيق حسين سليم أسد دمشق دار المأمون للتراث ط1 6:3

[22] الزيلعي الحنفي أبو عبدالله عبدالله بن يوسف (1357) نصب الراية لأحاديث الهداية، تحقيق محمد يوسف، مصر دار الحديث 385:3

[23] ابن قدامة المقدسي أبو محمد عبدالله بن أحمد (1405) المغني في فقه الإمام أحمد، بن حنبل الشيباني بيروت دار الفكر ط1 397:10

[24] البيهفقي السنن الكبرى.37:9

[25] السجستاني الأزدي أبو داود سنن أبي داوود ، تحقيق محمد محيي الدين عبدالحميد ، دمشق دار الفكر مع الكتاب تخريج الألباني 347:2

[26] ينظر الطبراني أبو القاسم سليمان (1410ه) "طرق حديث من كذب علي معتمدا" ،تحقيق علي عدالحميد-هشام السقا عمان دارعمار ط1

[27] نفس المرجع السابق صفحة 175

[28] انظر د.طارق الأسعد، كتاب علم أسباب ورود الحديث وتطبيقاته عند المحدثين والأصوليين.

 

[1] Citing or linking with a DOI link
A digital object identifier (DOI) can be used to cite and link to electronic documents.
A DOI is guaranteed never to change, so you can use it to link permanently to electronic documents.

To find a document using a DOI
1) Copy the DOI of the document you want to open. For example, 10.1016/j.bbr.2011.03.031.
2) Open the following DOI site in your browser: http://dx.doi.org
3) Enter the entire DOI in the text box provided, and then click Go.
4) To cite or create a link to a document using a DOI

The correct format for citing or creating a link to a document using its DOI is as follows:
http://dx.doi.org/10.1016/j.bbr.2011.03.031


Note : The DOI scheme is administered by the International DOI Foundation.
Many of the world's leading publishers have come together to build a DOI-based document linking scheme known as CrossRef.